ابن العربي
614
أحكام القرآن
أو هبة سقط القطع عند أبي حنيفة ، واللّه تعالى يقول : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ؛ فإذا وجب القطع حقا للّه تعالى لم يسقطه شيء ولا توبة السارق ، وهي : المسألة الثانية والعشرون - وقد قال بعض الشافعية : إن التوبة تسقط حقوق اللّه وحدوده ، وعزوه إلى الشافعي قولا ، وتعلّقوا بقول اللّه تعالى « 1 » : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ . وذلك استثناء من الوجوب ، فوجب حمل جميع الحدود عليه . وقال علماؤنا : هذا بعينه هو دليلنا ؛ لأن اللّه سبحانه وتعالى لمّا ذكر حدّ المحارب قال : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ . وعطف عليه حدّ السارق ، وقال فيه : « 2 » فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ؛ فلو كان ظلمه « 3 » في الحكم ما غاير الحكم بينهما ، ويا معشر الشافعية ؛ سبحان اللّه ! أين الدقائق الفقهية والحكم الشرعية التي تستنبطونها في غوامض المسائل ، ألم تروا إلى المحارب المستبد بنفسه ، المجترئ بسلاحه ، الذي يفتقر الإمام معه إلى الإيجاف « 4 » بالخيل والرّكاب ، كيف أسقط جزاءه بالتوبة استنزالا عن تلك الحالة ، كما فعل بالكافر في مغفرة جميع ما سلف استئلافا على الإسلام . فأما السارق والزاني ، وهم في قبضة المسلمين ، وتحت حكم الإمام ، فما الذي يسقط عنهم ما وجب عليهم ؟ أو كيف يجوز أن يقال على المحارب ، وقد فرّقت بينهما الحالة والحكمة ؟ هذا لا يليق بمثلكم ، يا معشر المحققين . وأمّا ملك السارق المسروق فقد قال صفوان للنبي صلى اللّه عليه وسلم : هو له يا رسول اللّه ! فقال : فهلّا قبل أن تأتيني به . خرّجه الدارقطني وغيره . المسألة الرابعة والعشرون - قال أبو حنيفة : لا يقطع سارق المصحف « 5 » ، وليس له فيه ما ينفع إلا إن منع بيعه وتملّكه . فإن فعل ذلك قلنا له : إذا اشترى رجل ورقا وكتب فيه القرآن لا يبطل « 6 » ما ثبت فيه من كلام اللّه ملكه ، كما لم يبطل ملكه لو كتب فيه حديث
--> ( 1 ) سورة المائدة ، آية 34 . ( 2 ) سورة المائدة ، آية 39 . ( 3 ) في ل : مثله . ( 4 ) الإيجاف : الوجف والوجيف : ضرب من سير الخيل والإبل ، وجف يجف وأوجفته ( القاموس ) . ( 5 ) في القرطبي ( 6 - 170 ) : واختلفوا في سارق المصحف ، فقال الشافعي وأبو يوسف وأبو ثور : يقطع إذا كانت قيمته ما تقطع فيه اليد ، وبه قال ابن القاسم . وقال النعمان : لا يقطع من سرق مصحفا . قال ابن المنذر : يقطع سارق المصحف . ( 6 ) في ل : إن .